الجصاص
388
الفصول في الأصول
على نفي ما لم يعلموه منفيا . وقال تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) ( 1 ) ولم يخصص ( 2 ) به الإثبات من النفي . وأيضا : فإن الله تعالى قد نص : أنه قد بين أحكام الشرع في كتابه ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي أحكام الشرع النفي والإثبات ، فلم يخصص بالبيان أحد القسمين دون الآخر ، وذلك نحو قوله تعالى : ( وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة ) ( 3 ) وقال تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شئ ) ( 4 ) ومعلوم أنه ( لم ) ( 5 ) يرد به وقوع البيان في الجميع نصا . وإنما أراد نصا ودليلا ، ولم يخصص الإثبات من النفي فهو عليهما جميعا . فهلا طلبت دلالة النفي في الكتاب : كدلالة الإثبات . وقال تعالى ( لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ( 6 ) فأمر بالتفكر في استدراك أحكام الشرع ، ولم يخصص الإثبات من النفي ، فهو عليهما جميعا . فإن قال قائل : قال النبي صلى الله عليه وسلم : البينة على المدعي ، واليمين على ( من أنكر ) ( 7 ) ، والنافي منكر ، فلا بينة عليه والمثبت مدع فعليه البينة . قيل : لو اكتفينا بهذا الخبر ( في ) ( 8 ) دحض مقالتك ، وفساد أصلك ، كان كافيا ، لأنك مدع لنفي الحكم بإنكارك له ، ومدع لبطلان قول خصمك المثبت لما نفيت ، ومدع بأن حكم الله تعالى في ذلك النفي دون الإثبات ، ومدع لصحة اعتقادك بأنه لا دليل عليك فيما ( 9 ) نفيت من ذلك . فمن حيث كنت مدعيا في هذه الوجوه كان عليك إقامة البينة على صحة دعاويك هذه بظاهر قوله صلى الله عليه وسلم ( البينة على من ادعى ) . فإن ترك الاحتجاج بظاهر الخبر ، وقال : لما اتفقنا على أن من ادعى شيئا في يدي